في ظل سعي الشركات إلى الموازنة بين العودة إلى المكاتب وتلبية رغبة الموظفين في العمل عن بُعد، برزت نماذج العمل الهجين بوصفها مستقبل العمل، ولأسباب وجيهة.
فبالنسبة إلى أصحاب العمل، تبدو الفوائد جلية، إذ يؤكد 90% من الرؤساء التنفيذيين المشاركين في استطلاع _View From the Top_ الصادر عن IWG أن العمل الهجين يُسهم في خفض تكاليف الأعمال، فيما تشهد الشركات التي تتبنى هذا النموذج تراجعًا في معدل دوران الموظفين بنسبة 12%.
وعلى الجانب الآخر، يميل الموظفون إلى ترتيبات العمل الهجين، حيث يزداد احتمال اختيارهم لأصحاب العمل الذين يتيحون المرونة في العمل عن بُعد بنسبة 59% مقارنةً بمن لا يوفرونها.
غير أن تطبيق العمل الهجين لا يقتصر على تحديد _ماهيته_، بل يمتد إلى _كيفية_ تنفيذه. فوجود سياسة عمل هجين محكمة الصياغة أمرٌ لا غنى عنه للموازنة بين أهداف المؤسسة وتطلعات الموظفين.
يستخلص هذا المقال أبرز رؤى الخبراء لمساعدتك على تصميم سياسات عمل هجين تحقق منفعةً متبادلة لشركتك وموظفيك على حدٍّ سواء.
تقييم قيم الشركة
تعكس ثقافة الشركة منظومة القيم والسلوكيات والمواقف المشتركة التي تُحدّد طبيعة تفاعل الموظفين فيما بينهم ومع أعمال الشركة. وقبل اعتماد نموذج عمل هجين، لا بُد من تقييم مدى انسجامه مع هذه العناصر الثقافية الجوهرية. وتُشدّد غوري مانغليك، الرئيسة التنفيذية والشريكة المؤسِّسة لمنصة Instrumentl المتكاملة للمنح، على أن «سياسة العمل الهجين الناجحة ينبغي أن تكون امتدادًا طبيعيًا لثقافة شركتك، لا عاملًا يُربكها أو يتعارض معها».
وفيما يلي بعض الأسئلة المحورية التي تُعينك على تقييم ثقافة شركتك:
- ما القيم التي تُشكّل هوية ثقافة شركتك؟ هل تحظى قيم مثل التعاون أو الابتكار أو الاستقلالية بمكانة بارزة لديكم؟ إن إدراك ذلك سيساعدك على اختيار نموذج عمل هجين يدعم هذه القيم.
- كيف يتفاعل الموظفون فيما بينهم حاليًا في بيئة العمل؟ فكّر فيما إذا كانت فرقك تزدهر بالتواصل المباشر وجهًا لوجه، أو إذا كانت قد ألفت بالفعل أدوات التواصل عن بُعد. ستُسهم الإجابة في رسم هيكل سياستك الهجينة، وتحديد الوقت الذي يُمضيه الموظفون في المكتب مقارنةً بالعمل عن بُعد.
جمع آراء الموظفين
بعد تقييم قيم شركتك، احرص على استطلاع آراء الموظفين عبر الاستبيانات أو مجموعات النقاش المركّزة أو المحادثات الفردية غير الرسمية. فجمع هذه الملاحظات يضمن أن تستوعب سياستك مختلف أساليب العمل، مما يُفضي في نهاية المطاف إلى رفع مستوى رضا الموظفين وتعزيز نجاحهم.
استعراض النماذج المختلفة
عند صياغة سياسة عمل هجين، تبرز أمامك عدة نماذج جديرة بالدراسة، ويُتيح كلٌّ منها درجات متفاوتة من المرونة بين العمل عن بُعد والعمل من المكتب. ويتوقف اختيار النموذج الأنسب على ثقافة شركتك واحتياجاتها التشغيلية وتفضيلات موظفيها.
النموذج الهجين الثابت
في النموذج الهجين الثابت، يقتسم الموظفون وقتهم بين المكتب والعمل عن بُعد وفق جدول منتظم. فعلى سبيل المثال، قد يعملون من المكتب ثلاثة أيام في الأسبوع وعن بُعد في اليومين الباقيين. ويوفّر هذا النموذج روتينًا منظمًا مع الحفاظ على قدر من المرونة، وهو يلائم في الغالب الشركات التي ترغب في الإبقاء على التعاون المباشر وجهًا لوجه، مع إدراكها لمزايا العمل عن بُعد في الوقت ذاته.
نموذج «العمل عن بُعد أولًا»
في نموذج «العمل عن بُعد أولًا»، يُعدّ العمل من المنزل هو الترتيب الافتراضي، ولا يحضر الموظفون إلى المكتب إلا للاجتماعات العَرَضية أو المناسبات الخاصة. ويُعدّ هذا النموذج مثاليًا للشركات التي تُولي المرونة الأولوية وتُتيح للموظفين العمل من أي مكان. وقد تجد الفرق الإبداعية أو الشركات التي يتوزّع موظفوها على مواقع جغرافية مختلفة هذا النموذج فعّالًا بشكل خاص، إذ يُمكّنها من استقطاب الكفاءات حول العالم دون أن تكون مقيدة بمكتب بعينه.
نموذج «المكتب أولًا»
يُقدّم نموذج «المكتب أولًا» العمل الحضوري على ما عداه، مع إتاحة قدر من المرونة في أيام العمل عن بُعد. ويُتوقع من الموظفين عمومًا التواجد في المكتب معظم الوقت، مع منحهم خيار العمل عن بُعد من حين لآخر. ويُناسب هذا النموذج الشركات التي تُثمّن التفاعلات الحضورية لأغراض التعاون وبناء الفرق والأنشطة المتعلقة بالعملاء. وهو الأمثل للشركات التقليدية التي تحرص على الحفاظ على حضور مادي قوي، مع إدراكها للحاجة العَرَضية إلى العمل عن بُعد.
النموذج الهجين القائم على الدور الوظيفي
في النموذج الهجين القائم على الدور الوظيفي، يتوقف قرار العمل عن بُعد أو من المكتب على طبيعة الدور تحديدًا. فالموظفون الذين تتطلب مهامهم تعاونًا حضوريًا أو الوصول إلى موارد المكتب يلتزمون بالعمل من الموقع، فيما يجوز للآخرين الذين يُمكنهم إنجاز عملهم باستقلالية أن يعملوا عن بُعد. ويُتيح هذا النموذج للشركات تكييف نهجها وفقًا للوظائف والمتطلبات التشغيلية، مما يجعله مرنًا وعمليًا.
اختيار النموذج المناسب
يستلزم تحديد نموذج العمل الهجين الأنسب تقييم ثقافة شركتك ومتطلباتها التشغيلية وتفضيلات موظفيها. وكما يُشير رولاند جاكوب، الشريك الإداري في BlazeKin.Media، يكمن المفتاح في مواءمة النموذج الهجين مع أهداف الأعمال واحتياجات الموظفين في آنٍ معًا.
وتشمل اعتبارات التطبيق تحديد الأدوار التي تستوجب التعاون الحضوري. فعلى سبيل المثال، قد يحتاج الموظفون في الوظائف ذات الصلة المباشرة بالعملاء أو من يعتمدون على معدات متخصصة إلى التواجد في المكتب بصورة أكبر. ومن الضروري أيضًا تقييم الأثر المحتمل للنموذج المختار على ديناميكيات الفريق وتواصله. هل سيُؤثّر العمل عن بُعد في التعاون أو روح الفريق؟ وكيف يمكنك ضمان بقاء جميع الموظفين، سواء في المكتب أو عن بُعد، على تواصل وانخراط مستمرَّيْن؟
إن الإجابة عن هذه التساؤلات ستُعينك على انتقاء النموذج الأنسب لمؤسستك مع ضمان سلاسة التطبيق.
وضع الجداول الزمنية
بعد تحديد الأدوار المؤهَّلة، تأتي الخطوة التالية المتمثلة في إرساء جداول زمنية مرنة تستوعب العمل عن بُعد والعمل من المكتب على حدٍّ سواء. وقد عرضت غوري نماذج لمقاربات ناجحة، كأن يعمل الموظفون من المنزل في أيام محددة ويحضرون إلى المكتب في أيام أخرى، أو أن يقتسموا وقتهم بين المكتب والعمل عن بُعد على مدار الأسبوع. ويُتيح هذا النهج المتوازن للموظفين تنظيم أيام عملهم بما يتوافق مع احتياجاتهم الشخصية ومتطلبات الشركة معًا.
وعادةً ما تمنح المؤسسات التي طبّقت جداول زمنية مرنة بنجاح موظفيها استقلاليةً ضمن أطر منظمة. فبعض الشركات، مثلًا، تُتيح للموظفين اختيار أيام عملهم عن بُعد، مع تخصيص أيام أساسية للتعاون الحضوري في المكتب. ويضمن ذلك حفاظ الفريق على إنتاجيته مع الإبقاء على المرونة التي يتميز بها العمل الهجين. وتُبيّن دراسات الحالة للشركات التي تبنّت هذه الأساليب في جدولة العمل أن مثل هذه المرونة قادرة على تعزيز رضا الموظفين وإنتاجيتهم، مع الحفاظ على الكفاءة التشغيلية.
صياغة مستند سياسة العمل الهجين
يجدر أن يستهل مستند سياسة العمل الهجين بهدف واضح يُفسّر الأسباب التي دفعت الشركة إلى تبنّي النموذج الهجين والغايات الكامنة وراءه، كتعزيز المرونة أو الحفاظ على التعاون داخل الفرق.
ثم تأتي بعد ذلك إرشادات تفصيلية تُوضّح من هم المؤهَّلون للعمل عن بُعد، ومتى يكون الحضور إلى المكتب إلزاميًا، وكيف يمكن للموظفين طلب المرونة بحسب أدوارهم أو ظروفهم.
كما ينبغي أن تُحدّد السياسة التوقعات المتعلقة بساعات العمل والتواصل والإنتاجية، بما يضمن إدراك الجميع لمسؤولياتهم بصرف النظر عن موقع عملهم.
وعلاوة على ذلك، أدرج الأدوات والموارد المتاحة لدعم العمل عن بُعد، كمنصات التواصل وأدوات إدارة المشاريع وأي مساعدة تقنية تُقدّمها الشركة. والهدف هو وضع سياسة واضحة وشاملة ومُيسَّرة الوصول لجميع الموظفين.
الإعلان عن السياسة
بمجرد صياغة سياسة العمل الهجين، احرص على إيصالها إلى الموظفين بفعالية. وينبغي أن يتم هذا الإعلان بأسلوب يضمن استيعاب جميع الموظفين للتغييرات المرتقبة ومدى تأثيرها عليهم. ويُستحسن الاستعانة بقنوات متعددة لنشر السياسة، سواء عبر اجتماع عام لجميع الموظفين، أو من خلال البريد الإلكتروني، أو بنشرها على الشبكة الداخلية للشركة. ويكفل ذلك وصول الجميع إلى المعلومات وإتاحة الفرصة لطرح الاستفسارات عند الحاجة.
ولترسيخ الفهم، يمكن أن تُسهم الجلسات التدريبية إسهامًا قيّمًا. إذ تستعرض هذه الجلسات تفاصيل السياسة مع الموظفين، وتُوضّح كيفية تطبيقها على أدوارهم بعينها، وتمنحهم الفرصة للتعبير عن مخاوفهم. ويُضاف إلى ذلك أن النقاشات المستمرة وجلسات المتابعة تُساعد على إبقاء السياسة حاضرة في أذهان الموظفين، وتُتيح إجراء التعديلات اللازمة مع تكيّف الشركة مع النموذج الهجين. كما أن تعزيز السياسة على مر الوقت، بدلًا من التعامل معها كإعلان لمرة واحدة، يُساعد الموظفين على التكيّف ويكفل تحقيق النجاح على المدى البعيد.
تقييم السياسة وتطويرها
بعد تطبيق سياسة العمل الهجين، احرص على تقييم فعاليتها بصورة دورية للتحقق من استمرارها في تلبية احتياجات الأعمال والموظفين معًا. ويستلزم رصد نجاح السياسة تتبّع مؤشرات أداء رئيسية (KPIs) محددة تعكس أثرها على المؤسسة. ومن أبرز المؤشرات الجديرة بالاعتبار: رضا الموظفين الذي يمكن قياسه عبر الاستبيانات والملاحظات، فضلًا عن مقاييس الإنتاجية التي تُقيّم مستوى أداء الفرق في البيئة الهجينة. وتُسهم هذه المؤشرات في تقدير ما إذا كانت السياسة تُحقّق غاياتها، كتحسين التوازن بين العمل والحياة أو الحفاظ على التعاون بين أعضاء الفريق.
وللحصول على رؤى متجددة، استعن بأدوات تُتيح تلقي ملاحظات مستمرة من الموظفين حول تجربتهم في العمل الهجين، كالاستبيانات المجهولة الهوية، أو جلسات المتابعة المنتظمة مع المديرين، أو مجموعات النقاش المركّزة التي تستكشف التحديات والإنجازات. ويضمن إبقاء قنوات التواصل مفتوحة شعور الموظفين بأن أصواتهم مسموعة، وأن آراءهم قابلة للترجمة إلى تغييرات ملموسة.
ولا يقل عن ذلك أهمية الانفتاح على التغيير. وكما يُؤكّد رولاند، فإن «القدرة على التكيّف هي مفتاح الحفاظ على نجاح سياسة العمل الهجين». فبيئات العمل واحتياجات الموظفين قابلة للتطور، وعلى الشركات أن تكون مستعدة لتعديل السياسة بما يتلاءم مع هذه المستجدات. ومن شأن إجراء دورات مراجعة منتظمة، سواء كل ثلاثة أشهر أو كل ستة أشهر، أن يُمكّن الشركة من إعادة تقييم السياسة استنادًا إلى الملاحظات الراهنة والنتائج التشغيلية. كما أن التحلّي بالمرونة والاستعداد لتطوير السياسة عبر الزمن يضمن بقاءها فعّالة ومواكبة لاحتياجات المؤسسة المتطورة.
























