أصبح العمل عن بُعد نمطًا مألوفًا لدى كثير من الأشخاص منذ أن اجتاحت جائحة كوفيد-19 العالم في مطلع عام 2020. وعلى الرغم من المزايا العديدة التي يوفّرها العمل عن بُعد، كالمرونة الأكبر، والتوازن الأفضل بين العمل والحياة، وتقليص وقت التنقّل، فإنه يحمل في طيّاته تحديات خاصة به. ومن أكثر هذه التحديات شيوعًا ظاهرة الاحتراق الوظيفي الناتج عن العمل عن بُعد.
سنستعرض في هذا المقال أسباب احتراق العمل عن بُعد وعلاماته، إلى جانب أبرز الاستراتيجيات للتغلّب عليه.
ما المقصود باحتراق العمل عن بُعد؟
يُشير احتراق العمل عن بُعد إلى «حالة من الإنهاك الجسدي والعاطفي والذهني تنتج عن التعرّض المُطوَّل لضغوط العمل عن بُعد». ويمكن أن يطال هذا الاحتراق أي شخص بصرف النظر عن طبيعة وظيفته أو مستوى خبرته.
ما أسباب احتراق العمل عن بُعد؟
قد ينجم احتراق العمل عن بُعد عن جملة من العوامل، من أبرزها:
- تلاشي الحدود الفاصلة: يُذيب العمل عن بُعد الحدود بين الحياة المهنية والحياة الشخصية. فعندما يعمل المرء من منزله، يَسهُل عليه الاستمرار في العمل بعد انتهاء ساعات الدوام أو الردّ على المكالمات المهنية في أوقاته الخاصة، مما يُفضي إلى الإنهاك والاحتراق الوظيفي.
- العزلة: قد يبعث العمل عن بُعد على الإحساس بالعزلة، لا سيما لدى الأشخاص الانبساطيين أو الذين يزدهرون في البيئات الاجتماعية. فغياب التفاعل والتواصل الاجتماعي قد يولّد مشاعر الوحدة، وهو ما يُسهم بدوره في الاحتراق الوظيفي.
- تضخّم عبء العمل: قد يفضي العمل عن بُعد إلى تراكم عبء العمل، إذ قد يشعر الموظفون بضغط مستمر لإثبات إنتاجيتهم وبذل جهد إضافي للحفاظ على وظائفهم أو التقدّم في مساراتهم المهنية.
- غياب البنية المنظَّمة: قد يفتقر العمل عن بُعد كذلك إلى البنية المنظَّمة، الأمر الذي قد يُصبح مُرهِقًا لبعض الأشخاص. فغياب الروتين أو الإطار المنظَّم يُصعّب ترتيب الأولويات وإدارة الوقت بكفاءة، مما يقود إلى التوتر والاحتراق.
أعراض احتراق العمل عن بُعد
يمكن أن يظهر احتراق العمل عن بُعد في صور متعددة، من بينها:
- الأعراض الجسدية: قد يُسبّب احتراق العمل عن بُعد أعراضًا جسدية كالصداع والإرهاق والأرق.
- الأعراض العاطفية: تشمل الأعراض العاطفية لاحتراق العمل عن بُعد الشعور بالقلق والاكتئاب وسرعة الانفعال.
- تراجع الإنتاجية: قد يؤدي الاحتراق إلى انخفاض الإنتاجية، إذ يجد الموظفون صعوبة في التركيز على المهام أو إنجازها ضمن الوقت المُحدَّد.
- فتور الدافعية: قد يُفضي احتراق العمل عن بُعد أيضًا إلى تراجع الحافز، حيث يشعر الموظفون بالانفصال عن عملهم ويصعب عليهم استشعار المعنى فيما يقومون به من مهام.
أثر احتراق العمل عن بُعد في المؤسسات
لا يقتصر أثر احتراق العمل عن بُعد على الأفراد فحسب، بل ينعكس أيضًا بصورة جليّة على المؤسسات. فالاحتراق الوظيفي قد يؤدي إلى تراجع الإنتاجية، وارتفاع معدّلات التغيّب، وزيادة دوران الموظفين، وهي جميعها عوامل تنعكس سلبًا على النتائج المالية للمؤسسة.
فعندما يعاني الموظفون من الاحتراق، قد يفقدون شغفهم وحماستهم تجاه عملهم، وقد تتراجع لديهم القدرة على التركيز واتخاذ القرارات، الأمر الذي يُفضي إلى الأخطاء وضعف الأداء. ويتجلّى ذلك في صورة مواعيد نهائية لا تُلتزم بها، وتراجع جودة المخرجات، وانخفاض الإنتاجية في نهاية المطاف.
كما قد يُسهم الاحتراق في ارتفاع معدّلات التغيّب، إذ قد يحتاج الموظفون إلى أخذ إجازات للتعافي من الإنهاك الجسدي والعاطفي. وقد يترتّب على ذلك نقص في الكوادر، مما يُضعف قدرة المؤسسة على الالتزام بمواعيدها وإنجاز مشاريعها.
علاوةً على ذلك، قد يُغذّي الاحتراق ارتفاع معدّلات دوران الموظفين، إذ يبدأ الموظفون بالبحث عن فرص بديلة أو يقررون مغادرة المؤسسة كليًا. ويعني ذلك خسارة كفاءات قيّمة ومعرفة مؤسسية يصعب تعويضها ويُكلّف استبدالها الكثير.
وتقع على عاتق المؤسسات كذلك مسؤولية إيلاء الأولوية لرفاهية موظفيها. فحين تُغفل المؤسسات معالجة أسباب الاحتراق، قد تترسّخ لديها ثقافة تقوم على الإفراط في العمل والتوتر، وهو ما قد يُلحق الضرر بسمعتها ويُصعّب عليها استقطاب أفضل الكفاءات والاحتفاظ بها.
استراتيجيات التغلّب على احتراق العمل عن بُعد
لحسن الحظ، ثمة استراتيجيات عديدة يمكن للأفراد اتباعها لتجاوز احتراق العمل عن بُعد. وفيما يلي أبرز هذه الاستراتيجيات وأكثرها فاعلية:
- رسم حدود واضحة: لتفادي ذوبان الحدود بين العمل والحياة الشخصية، ينبغي للموظفين رسم حدود واضحة. ويشمل ذلك تحديد ساعات عمل بعينها والالتزام بها، وإيقاف الإشعارات المهنية خلال الأوقات الشخصية، وتخصيص مساحة عمل تُستخدم حصرًا للأنشطة المهنية.
- إيلاء الأولوية للتفاعل الاجتماعي: لمواجهة العزلة المصاحبة للعمل عن بُعد، يُستحسن أن يحرص الموظفون على التفاعل الاجتماعي. ويتضمّن ذلك تحديد مواعيد منتظمة لاجتماعات افتراضية مع الزملاء، والانضمام إلى مجتمعات أو مجموعات تواصل عبر الإنترنت، والمشاركة في أنشطة بناء الفِرق الافتراضية.
- إدارة عبء العمل: لتجنّب الاحتراق الناجم عن تراكم المهام، ينبغي للموظفين تعلّم إدارة عبء العمل بكفاءة. ويشمل ذلك تقسيم المهام إلى أجزاء أصغر يَسهُل التعامل معها، وترتيب الأولويات بحسب الأهمية والمواعيد النهائية، وتفويض بعض المهام إلى أعضاء الفريق متى أمكن ذلك.
- إرساء روتين يومي: لمواجهة غياب البنية المنظَّمة الذي يرافق العمل عن بُعد، يُنصح الموظفون بإرساء روتين يومي. ويتضمّن ذلك تحديد موعد ثابت للاستيقاظ، وجدولة أوقات بعينها لتناول الوجبات وأخذ فترات راحة، وتخصيص أوقات محددة خلال اليوم لإنجاز مهام بعينها.
- أخذ فترات راحة: لتجنّب الاحتراق، يُستحسن أخذ فترات راحة منتظمة على مدار اليوم. ويمكن أن يشمل ذلك المشي لمسافة قصيرة أو تخصيص وقت للذهاب إلى الصالة الرياضية خلال اليوم. ولتحقيق ذلك بفاعلية، قد يكون من الضروري حجز فترات في التقويم لتفادي ازدحام اليوم بالمكالمات والاجتماعات.
احتراق العمل عن بُعد: يمكن تفاديه بالأدوات الصحيحة
وختامًا، يُمثّل احتراق العمل عن بُعد تحديًا شائعًا يواجهه كثير من الأفراد في ظلّ توسّع العمل عن بُعد إثر جائحة كوفيد-19. ويُعدّ تلاشي الحدود الفاصلة، والعزلة، وتضخّم عبء العمل، وغياب البنية المنظَّمة من أبرز الأسباب المؤدية إلى احتراق العمل عن بُعد.
ومن الأهمية بمكان أن يُدرك الأفراد علامات احتراق العمل عن بُعد، وأن يتّخذوا الخطوات اللازمة للحيلولة دون تحوّله إلى مشكلة مزمنة. كما أن اتباع استراتيجيات مثل رسم الحدود، وإيلاء الأولوية للتفاعل الاجتماعي، وإدارة عبء العمل، وإرساء روتين يومي، وأخذ فترات راحة منتظمة، يمكن أن يُسهم في تجاوز الاحتراق الوظيفي والحفاظ على الرفاهية أثناء العمل عن بُعد.
يُتيح العمل عن بُعد العديد من المزايا، غير أنه يحمل في الوقت ذاته تحدياته الخاصة. وباتخاذ الخطوات الكفيلة بالوقاية من الاحتراق، يستطيع الأفراد جني ثمار العمل عن بُعد مع الحفاظ على عافيتهم الجسدية والعاطفية والذهنية. ومع وجود الاستراتيجيات المناسبة، يمكن أن يغدو العمل عن بُعد أسلوبًا مُجزيًا ومستدامًا.
























