نعيش اليوم بدايات ثورة حقيقية في مجال العمل عن بُعد. فلا يخفى على أحد أن هذا النمط من العمل قد انتشر انتشارًا واسعًا خلال الفترة الأخيرة، إذ فرضته في البداية ظروف جائحة فيروس كورونا، ثم اختار الموظفون وأصحاب العمل بعد ذلك الاستمرار في تبنّيه دون تحديد سقف زمني.
وفي الوقت الراهن، تُدير كثير من الشركات أعمالها عن بُعد وعبر دول متعددة، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول ماهية آداب العمل عن بُعد، وما الذي ينبغي على الموظفين مراعاته أثناء التعامل مع هذه البيئة الجديدة.
وفي هذا المقال، نستعرض أبرز القواعد التي تحكم آداب العمل عن بُعد.
الالتزام بالمواعيد
لا شك أن العمل من المنزل قد يبدو أقل رسمية من العمل في المكتب، فبإمكانك أن تجلس مرتديًا ملابس النوم دون أن يلاحظ أحد ذلك. غير أنه ينبغي ألّا يقودك هذا الشعور بالراحة في منزلك إلى التهاون في أبسط قواعد العمل، وفي مقدمتها الالتزام بالمواعيد.
فإذا كان من المتوقع أن تبدأ عملك في تمام الساعة 9 صباحًا، فالأجدر بك أن تكون عند هذا الموعد تمامًا. وإذا كان لديك اجتماع في الظهيرة، فاحرص على الانضمام إليه عند ذلك الوقت على أبعد تقدير، بل يُستحسن أن تسبقه ببضع دقائق، فهذه مسألة احترام في المقام الأول.
والحقيقة أن العمل من المنزل ينبغي أن يجعلك أكثر التزامًا بالمواعيد مقارنةً بفترة العمل من المكتب، إذ لم تعد هناك متغيرات غير متوقعة، كازدحام الطرق، تُعيق وصولك إلى عملك في الوقت المحدد.
تحديد التوقعات بوضوح
تُعدّ المرونة من أبرز المزايا التي يوفرها العمل عن بُعد للموظفين. فبدلًا من أن تكون مُقيّدًا بمكان بعينه وساعات محددة، أصبح بإمكانك العمل من أماكن متنوعة وفي الأوقات التي تناسبك. وقد بات بمقدورك ترتيب موعد طبي أو اصطحاب أبنائك من المدرسة دون أن يُشكّل ذلك عبئًا على جدول عملك.
بيد أن هذا القدر من الحرية يستوجب تواصلًا مستمرًا. فلا بد أن يعلم زملاؤك ومديروك في كل وقت متى ستكون «على رأس العمل» ومتى لن تكون كذلك. ويُمثّل تحديد ساعات العمل بدقةٍ ووضوح أمرًا بالغ الأهمية حتى يعرف فريقك ما يمكنه توقّعه منك. لذا إن كنت تنوي الخروج عن ساعات عملك المعتادة، فاحرص على إبلاغ فريقك بذلك ووضّح الأمر سلفًا. ولا ينبغي أن يبقى أحد يتساءل عن سبب اختفائك بضع ساعات في منتصف اليوم.
التحقق من جاهزية الأدوات التقنية
يتطلب العمل عن بُعد قدرًا لا يُستهان به من الأدوات التقنية، تشمل اتصالًا قويًا وثابتًا بالإنترنت، وكاميرا ويب بجودة صوت وصورة عالية، إلى جانب طيف واسع من البرامج المختلفة. ومن مسؤوليتك أن تتأكد من أن جميع هذه الأدوات تعمل على النحو المطلوب حتى تتمكن من أداء مهامك والتواصل بفاعلية مع زملائك في العمل.
فمن أكثر الهفوات إزعاجًا في بيئة العمل عن بُعد أن تعتذر عن تشغيل الكاميرا خلال الاجتماع بحجة عُطلها، أو أن تتعذّر بمشكلة في الـ VPN عن إنجاز مشروع معيّن، أو أن تعجز عن الاتصال أصلًا بسبب انقطاع شبكة الواي فاي لديك.
لذا، احرص دائمًا على التأكد من جاهزية جميع الأدوات التقنية، وقد تستطيع شركتك تقديم العون لك في هذا الشأن. غير أن المسؤولية تقع عليك في النهاية لمعالجة أي مشكلات قبل أن تُعيق قدرتك على إنجاز عملك.
الانخراط الفعلي في العمل
إن أكثر ما يقلق أصحاب العمل في ما يخص العمل عن بُعد هو أن ينشغل الموظفون بشؤونهم الشخصية في أثناء ساعات العمل دون أن يكون لديهم أي وسيلة لمعرفة ذلك. وقد يكون من المُغري تلقّي مكالمة شخصية أو قضاء نصف ساعة على فيسبوك في خضم يوم العمل عن بُعد، وقد تتساءل: «من سيتضرّر من ذلك؟»، إلا أن هذا السلوك يُعدّ مخالفًا تمامًا لآداب العمل عن بُعد.
والقاعدة الذهبية هنا واضحة: إن كنت لن تفعل أمرًا ما في المكتب، فلا تفعله وأنت تعمل عن بُعد. فإذا كنت تفعل شيئًا لا تودّ أن يراك مديرك تفعله لو مرّ بمكتبك صدفةً، فالأجدر بك أن تُؤجّله إلى ما بعد ساعات العمل أو خلال استراحة الغداء.
فالعمل عن بُعد يقوم في جوهره على ثقة صاحب العمل في أنك ستؤدي ما هو مطلوب منك خلال ساعات العمل التي يُدفع لك مقابلها. واستغلال وقت العمل في المسائل الشخصية ليس إخلالًا بهذه الثقة فحسب، بل هو أيضًا تصرّف ينمّ عن قلة احترام لرؤسائك وزملائك. فضلًا عن ذلك، فإنه سيُصعّب عليك تحقيق الكفاءة اللازمة لإنجاز عملك. لذا، أرجِئ ذلك إلى وقت لاحق، فمقاطع القطط يمكنها الانتظار.
التأمل في أسلوب التواصل
من البديهي أن التواصل الواضح والمنتظم أمر لا غنى عنه في بيئة العمل عن بُعد. غير أن ذلك يُثير تساؤلًا حول الكيفية المُثلى للتواصل، خاصةً في ظل تعدد الخيارات المتاحة، بدءًا من إرسال رسالة فورية سريعة، مرورًا بالبريد الإلكتروني، ووصولًا إلى تحديد موعد لاجتماع مرئي. ولكل نمط من هذه الأنماط ما يناسبه من المواقف.
لذا، لا تكن من النوع الذي يُلزم الآخرين بارتداء ملابس رسمية والانضمام إلى اجتماع مرئي حول موضوع كان يمكن تناوله ببساطة عبر بريد إلكتروني. وفي المقابل، لا تتوقع أن تكفي رسالة فورية لشرح أمر بالغ التعقيد.
وخلاصة القول، كُن متأنّيًا في اختيار قنوات التواصل التي تستخدمها. بل لا تتردد في سؤال من تتواصل معه عن القناة التي يُفضّلها لمعالجة الموضوع المطروح.
خاتمة
نحن نعيش اليوم بدايات ثورة في عالم العمل عن بُعد، ما يعني أننا نشقّ طريقًا جديدًا قد تكتنفه كثير من المناطق الرمادية في ما يتعلق بآداب التعامل وما يُعدّ سلوكًا لائقًا أو غير لائق. ونأمل أن يكون هذا المقال قد أسهم في منحك تصورًا واضحًا حول كيفية التصرف في «بيئة» العمل عن بُعد مستقبلًا، ونحن نخطو خطوة كبيرة نحو عصر العمل عن بُعد.
























