يُعدّ التعاقد مع المتعاقدين المستقلين في الصين وسيلةً شائعةً تلجأ إليها الشركات الدولية للوصول إلى الكفاءات المحلية دون الحاجة إلى تأسيس كيان قانوني هناك، إذ يتميّز هذا النهج بالسرعة وانخفاض التكلفة والمرونة مقارنةً بترتيبات التوظيف الكاملة. غير أنّ السلطات العمّالية في الصين تعتمد على معيار «الجوهر قبل الشكل» عند تقييم علاقات العمل، أي أنّ التسمية الواردة في العقد ليست هي ما يُحدّد الوضع الوظيفي. فإن جاءت طريقة أداء العمل أقرب إلى التوظيف، عُوملت على هذا الأساس، علمًا بأنّ الانكشاف المالي المترتّب على التصنيف الخاطئ يكون كبيرًا.
كيف يعمل التعاقد المستقل في الصين
يُفرّق قانون عقود العمل الصيني الصادر عام 2008 تفريقًا واضحًا بين علاقات التوظيف وعلاقات تقديم الخدمات أو التعاقد المستقل. ولفهم أيّ تعاقد متوافق مع التشريعات، لا بدّ أوّلًا من استيعاب الكيفية التي يُنظَّم بها المتعاقدون الأفراد وطبيعة التزاماتهم الضريبية.
كيف يُنظَّم المتعاقدون المستقلون
يعمل المتعاقدون الأفراد في الصين عادةً إمّا بصفتهم أفرادًا يعملون لحسابهم الخاص (ويُعرفون بـ getihu، أي الأسر التجارية الفردية)، وإمّا من خلال شركة مملوكة بالكامل لهم. ولا يوجد في الصين ما يُكافئ مباشرةً هيكل «شركة الخدمات الشخصية» المعروف في المملكة المتحدة. وفي معظم تعاقدات العمل الحر، يُبرَم عقد خدمة بين الشركة والفرد، لا ترتيب تجاري بين كيانين مُسجَّلَين.
ولهذا السبب، يصعب في الواقع العملي رسم خط فاصل واضح بين المتعاقد المستقل والموظف. فالعبرة ليست بصيغة العقد بقدر ما هي بطريقة سير العلاقة يومًا بعد يوم.
الالتزامات الضريبية على المتعاقدين
يتحمّل الأفراد المتعاقدون بموجب عقود خدمات في الصين مسؤولية سداد ضريبة الدخل الشخصي (IIT) بأنفسهم. ويخضع دخل الخدمات لضريبة بنسبة ثابتة قدرها 20%، مع إمكانية خصم النفقات المسموح بها. وعمومًا، لا يُدرَج المتعاقدون ضمن نظام التأمينات الاجتماعية الخاص بالشركة المتعاقِدة، وهو نظام يشمل اشتراكات التقاعد والتأمين الطبي والبطالة وإصابات العمل والأمومة، إضافةً إلى صندوق الإسكان.
ويُمثّل هذا أحد أبرز الفوارق المالية بين الموظف والمتعاقد، فهو يعني تكاليف أقلّ على الشركة في الأمد القصير. غير أنّ إعادة تصنيف العلاقة لاحقًا على أنّها علاقة توظيف يُحوّل اشتراكات التأمينات الاجتماعية تلك إلى التزامات واجبة السداد.
اختبار تحديد الوضع الوظيفي
تُوفّر وزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي الإطار المرجعي الذي تعتمد عليه السلطات الصينية في تقييم الوضع الوظيفي. ويقوم هذا الاختبار على مبدأ «الجوهر قبل الشكل»؛ إذ تنظر السلطات إلى الكيفية الفعلية التي يُؤدَّى بها العمل، لا إلى ما يَرِد في صيغة العقد.
ومن العوامل التي تدلّ على وجود علاقة توظيف: تحكُّم الشركة في ساعات العمل وأسلوبه ومكانه، واعتماد العامل اقتصاديًا على جهة واحدة، وارتباط العمل ارتباطًا جوهريًا بنشاط الشركة الأساسي، وانعدام حقّ العامل في الاستعانة ببديل لأداء المهام. ومتى اجتمعت عدّة عوامل من هذا القبيل، يَغلب أن تَخلُص لجنة التحكيم العمّالي أو المحكمة إلى وجود علاقة توظيف، بصرف النظر عمّا ينصّ عليه عقد الخدمة.
المؤشّرات الرئيسية للتصنيف الخاطئ
فيما يلي الأنماط المحدّدة التي تعدّها السلطات العمّالية الصينية مؤشّرات على وجود علاقة توظيف لا تعاقد حقيقي:
- جدول عمل ثابت تُحدّده الشركة. إذا كانت الشركة هي التي تُملي على الفرد متى يعمل، فإنّ ذلك يُشير إلى التوظيف، إذ يُحدّد المتعاقدون المستقلون ساعات عملهم بأنفسهم.
- أداء العمل داخل مقرّ الشركة وباستخدام معدّاتها. يُوحي استخدام أدوات الشركة والعمل من مقرّها بأنّ الفرد مندمج في القوى العاملة لديها.
- الاقتصار على عميل واحد. يُعدّ الاعتماد الاقتصادي على جهة واحدة من أقوى المؤشّرات على التوظيف، في حين أنّ المتعاقدين الذين يخدمون عدّة عملاء في آنٍ واحد يحملون مخاطر إعادة تصنيف أدنى بكثير.
- انعدام حقّ الاستبدال. إذا كان الفرد مُلزَمًا بأداء العمل بنفسه ولا يحقّ له إنابة غيره عنه، اقتربت العلاقة من شكل التوظيف.
- غياب المخاطرة المالية أو الأرباح الناتجة عن الكفاءة. فالموظّفون لا يجنون أرباحًا إضافية عند إنجاز العمل بسرعة أكبر، ولا يتكبّدون خسائر عند الوقوع في الأخطاء، أمّا المتعاقدون فيتعرّضون لكليهما. وانعدام هذا الانكشاف التجاري كلّيًا علامة تستوجب الانتباه.
ولا يُعدّ أيّ من هذه العوامل حاسمًا بمفرده بشكل تلقائي، غير أنّ تزايد عدد العوامل المنطبقة يرفع من مستوى المخاطرة.
كلفة الوقوع في الخطأ
تملك لجان التحكيم العمّالي والمحاكم صلاحية إعادة تصنيف المتعاقد المستقل بوصفه موظّفًا، وعند حدوث ذلك تواجه الشركة عدّة أنواع من الانكشاف في وقت واحد.
وأوّل ما يترتّب على ذلك من تكاليف فورية هو سداد اشتراكات التأمينات الاجتماعية بأثر رجعي عن كامل الفترة التي شملها التصنيف الخاطئ، بما يشمل اشتراكات التقاعد والتأمين الطبي والبطالة وإصابات العمل والأمومة وصندوق الإسكان. وتتحمّل الشركة حصّة صاحب العمل، بل وحصّة الموظّف أيضًا في بعض الحالات. ويُضاف إلى ذلك أنّ الشركة قد تكون مدينةً بمكافأة نهاية الخدمة، وكذلك بسداد أيّ استحقاقات قانونية بأثر رجعي كان الفرد سيستحقّها لو كان موظّفًا، بما في ذلك الإجازات المدفوعة والأجر خلال الإجازات المرضية.
ولا توجد فترة تقادم قانونية واحدة تنطبق على جميع المطالبات. فمطالبات التحكيم العمّالي يمكن أن تعود عادةً سنةً واحدةً من تاريخ تقديم الشكوى، أمّا مطالبات التأمينات الاجتماعية فقد تمتدّ إلى ما هو أبعد من ذلك. وفي الحالات الجسيمة، قد يُفضي التصنيف الخاطئ الذي ينطوي على تهرّب ضريبي متعمَّد إلى غرامات إدارية أو إلى مسؤولية جنائية.
وقد يكون الانكشاف المالي الناجم عن حالة واحدة من حالات التصنيف الخاطئ ضخمًا، لا سيّما إذا امتدّ التعاقد لسنوات عدّة.
كيفية هيكلة تعاقدات مستقلّة متوافقة مع التشريعات
يبدأ التعاقد المستقل المتوافق مع التشريعات في الصين باتفاقية خدمة مكتوبة، لا بعقد توظيف. وإلى جانب المستند ذاته، لا بدّ أن تتماشى الكيفية التي تسير بها العلاقة على أرض الواقع مع طبيعة التعاقد المستقل الحقيقي.
ومن الخطوات العملية التي تُسهم في تقليل مخاطر إعادة التصنيف ما يلي:
- اعتماد نطاق عمل قائم على المشاريع أو المخرجات. حدِّد التعاقد بناءً على النواتج المُسلَّمة، لا بناءً على ساعات العمل المُنجَزة.
- إتاحة حقّ الاستبدال. ضمِّن العقد بندًا يُتيح حقّ الإنابة، وتأكّد من أنّه حقّ حقيقي لا مجرّد صياغة شكلية.
- إبقاء المتعاقد خارج هيكل الإدارة الداخلية. امتنع عن إدراجه في الهياكل التنظيمية للشركة، أو في أنظمة التواصل الداخلية، أو في دورات تقييم الأداء.
- اشتراط الفاتورة الرسمية (fapiao). احرص على أن يُصدر المتعاقد فواتيره عبر الفواتير الضريبية الصينية الرسمية (fapiao)، إذ يُمثّل ذلك ضرورةً عمليةً لامتثال الشركة الضريبي من ناحية، ويُعزّز الطابع التجاري للعلاقة من ناحية أخرى.
- تجنّب شرط الحصرية. امتنع عن منع المتعاقد، تعاقديًا أو فعليًا، من العمل مع عملاء آخرين.
ومع أنّ هذه الخطوات لا تُلغي المخاطر إلغاءً تامًا، فإنّها تُهيّئ موقفًا قابلًا للدفاع عنه في حال خضع التعاقد لأيّ تدقيق لاحق.
متى يكون «المتعاقد الرسمي» (Cor) هو الخيار الأنسب
إذا كنت تتعاقد مع عدد من المتعاقدين المستقلين في الصين على أيّ نطاق، فإنّ إدارة الامتثال بنفسك مهمّةٌ مرهقة. وهنا يأتي دور المتعاقد الرسمي (COR) الذي يتولّى عنك طبقة الامتثال بالكامل؛ إذ يتعاقد مع المستقل من خلال بنيته التحتية الخاصة، ويُدير الإطار التعاقدي، ويضمن الامتثال لمتطلّبات فواتير fapiao، ويتولّى إدارة مخاطر التصنيف الخاطئ.
ويُمثّل المتعاقد الرسمي خيارًا بالغ الفائدة عند التعامل مع عدد من المتعاقدين المستقلين في مختلف أرجاء الصين، أو عند الحاجة إلى إنهاء إجراءات الانضمام بسرعة، أو حين يفتقر الفريق القانوني الداخلي لديك إلى خبرة عميقة في قانون العمل الصيني. وهو يمنحك المرونة دون أن يفرض عليك أن تتحوّل إلى خبير في الإطار التنظيمي المحلّي.
أمّا في الحالات التي تبدو فيها العلاقة منذ البداية أقرب إلى التوظيف، بساعات عمل منتظمة، ووظيفة جوهرية في نشاط الشركة، ومدّة طويلة، فإنّ صاحب العمل الرسمي (EOR) هو على الأرجح الهيكل الأنسب. ويتولّى صاحب العمل الرسمي (EOR) توظيف الفرد بالنيابة عنك، ويُدير جميع التزامات التأمينات الاجتماعية والرواتب، ويضمن لك امتثالًا كاملًا دون الحاجة إلى تأسيس كيان محلّي. وإذا كنت بصدد تقييم مقدّمي الخدمات، فمن المفيد المقارنة بين خدمات EOR للتعرّف على ما تشمله كلّ خدمة وأوجه التباين فيما بينها.
احجز عرضًا توضيحيًا لترى كيف تُدير RemotePass تعاقدات المستقلين بصورة متوافقة مع التشريعات في الصين.
الأسئلة الشائعة
هل يجوز لشركة أجنبية التعاقد مع فرد مستقلّ في الصين مباشرةً؟
نعم، يحقّ للشركات الأجنبية أن تتعاقد مع متعاقدين مستقلين أفراد في الصين مباشرةً عبر اتفاقية خدمة. غير أنّ معيار «الجوهر قبل الشكل» يظلّ ساري المفعول، وتبقى الشركة مُعرَّضةً لمخاطر إعادة التصنيف إذا كانت علاقة العمل تسير في الواقع كعلاقة توظيف. ولذلك تلجأ كثير من الشركات إلى الاستعانة بـ «المتعاقد الرسمي» للتحكّم في هذه المخاطر.
ما الفرق بين Getihu والمتعاقد الفردي العادي؟
الـ getihu هو أسرة تجارية فردية مُسجَّلة رسميًا، أي وضع قانوني للعمل الحرّ في الصين. أمّا الفرد العادي الذي يعمل بموجب عقد خدمة، فقد لا يحمل هذا التسجيل. ويمكن التعاقد مع كليهما بوصفه متعاقدًا مستقلًا، وإن كانت المعاملة الضريبية والإدارية تتباين بينهما تباينًا طفيفًا. وفي كلتا الحالتين، يُطبَّق اختبار تحديد الوضع الوظيفي بالطريقة ذاتها.
إلى أيّ مدى زمني يمكن أن تمتدّ مطالبات التصنيف الخاطئ بأثر رجعي؟
تشمل مطالبات التحكيم العمّالي عادةً السنة السابقة لتاريخ تقديم الشكوى. أمّا مطالبات التأمينات الاجتماعية فلا تخضع للقيد الزمني نفسه، وقد تمتدّ لتغطّي فترة أطول. ويتوقّف نطاق الانكشاف الفعلي على طبيعة المطالبة وعلى توقيت رفع النزاع.
هل ثمّة حدّ أدنى آمن لمدّة العقد يَقي من مخاطر التصنيف الخاطئ؟
لا. مدّة العقد ليست عاملًا في اختبار تحديد الوضع الوظيفي، إذ يمكن إعادة تصنيف تعاقد قصير الأمد إذا توفّرت فيه مؤشّرات التوظيف. فالعبرة بكيفية سير العلاقة على أرض الواقع، لا بطول مدّتها، ولا بما ينصّ عليه العقد بشأن المدّة.























